مجمع البحوث الاسلامية
559
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ليس عدم الخلف بينهما وبين نتائجها الدّنيويّة والأخرويّة بل عدم الخلف بينهما وبين ما دلّ على ثبوتها ووقوعها فيما سيأتي بطريق الوعد من قوله تعالى : لَهُمُ الْبُشْرى فتدبّر . ( ذلك ) إشارة إلى ما ذكر من أنّ لهم البشرى في الدّارين هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الّذي لا فوز وراءه وفيه تفسير فيما سبق ، وهاتيك الجملة والّتي قبلها اعتراض لتحقيق المبشّر وتعظيم شأنه ، وليس من شرطه أن يكون بعده كلام متّصل بما قبله ، أو هذه تذييل والسّابقة اعتراض . ( 3 : 256 ) البروسويّ : [ قال مثل أبي السّعود وأضاف : ] وقيل : ( البشرى ) مصدر ، والظّرفان متعلّقان به . أمّا « البشرى في الدّنيا » فهي البشارات الواقعة للمؤمنين المتّقين ، في غير موضع من الكتاب المبين . وعن النّبيّ عليه السّلام : « هي الرّؤيا الصّالحة يراها المؤمن أو ترى له » أي يراها مسلم لأجل مسلم آخر . ولا يخفى أنّ كون الرّؤيا الصّالحة مبشّرة للمؤمن يمنع أن تكون بنبوّة ، فتكون بوجه آخر من صلاح وتنبيه غفلة وفرح وغيرها ، كما في « شرح المشارق » لابن الملك . وهذه البشارة لا تحصل إلّا لأولياء اللّه ، لأنّهم مستغرقوا القلب والرّوح في ذكر اللّه ومعرفة اللّه ، فمنامهم كاليقظة لا يفيد إلّا الحقّ واليقين . وأمّا من يكون متوزّع الخاطر على أحوال هذا العالم الكدر المظلم ، فإنّه لا اعتماد على رؤياه . وفي « التّأويلات النّجميّة » : لهم المبشّرات الّتي هي تلو النّبوّة من الوقائع الّتي يرون بين النّوم واليقظة والإلهامات والكشوف ، وما يرد عليهم من المواهب والمشاهدات ، كما قال عليه السّلام : « لم يبق من النّبوّة إلّا المبشّرات » انتهى . وفي الحديث : « الرّؤيا الصّادقة من الرّجل الصّالح جزء من ستّة وأربعين جزء من النّبوّة » . ومعناه أنّ النّبيّ عليه السّلام حين بعث أقام بمكّة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشر سنين ، فمدّة الوحي إليه في اليقظة ثلاث وعشرون سنة ، ومدّة الوحي في المنام ستّة أشهر من ثلاث وعشرين سنة ، فهي جزء من ستّة وأربعين جزء . وإنّما ابتدئ رسول اللّه بالرّؤيا لئلّا يفجأه الملك بالرّسالة فلا تتحمّلها القوى البشريّة ، فكانت الرّؤيا تأنيسا له . وقال بعضهم : لَهُمُ الْبُشْرى عند الموت ، تأتيهم الملائكة بالرّحمة . وأمّا البشرى في الآخرة فتلقّي الملائكة إيّاهم مسلمين مبشّرين بالفوز والكرامة ، وما يرون من بياض وجوههم ، وإعطاء الصّحف بأيمانهم ، وما يقرؤون منها ، وغير ذلك من البشارات في كلّ موطن من المواطن الأخرويّة ، فتكون هذه بشارة بما سيقع من البشارات العاجلة والآجلة المطلوبة لغاياتها لا لذواتها . وفي « التّأويلات النّجميّة » : بشراهم في الآخرة بكشف القناع عن جمال العزّة ، عند سطوات نور القدم ، وزهق ظلمة الحدوث ، وبلقاء الحقّ رحمة منه ، كما قال : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ التّوبة : 21 . ( 4 : 60 ) الآلوسيّ : [ وبعد نقل أقوال المفسّرين قال : ] فالأولى أن يحمل « البشرى في الدّارين » على البشارة بما يحقّق نفي الخوف والحزن كائنا ما كان ، ويرشد إلى ذلك السّياق ؛ ومن أجل ذلك بشرى الملائكة لهم